الخطيب الشربيني
13
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وضع هذا الظاهر مكانه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي : دلائل توحيده فكفر بها كما فعلتم أنتم ، وذلك من أعظم الكذب ، وقوله تعالى : إِنَّهُ أي : الشأن لا يُفْلِحُ بوجه من الوجوه الْمُجْرِمُونَ أي : المشركون تأكيد لما سبق من هذين الوصفين وَيَعْبُدُونَ أي : هؤلاء المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : غيره ما لا يَضُرُّهُمْ أي : إن لم يعبدوه وَلا يَنْفَعُهُمْ أي : إن عبدوه ، وهو الأصنام ؛ لأنها حجارة وجماد لا تضرّ ولا تنفع ، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح وتارة بالإفساد ، وإذا كان العابد أصلح حالا من المعبود كانت العبادة باطلة ؛ لأنّ العبادة أعظم أنواع التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يضرّ وينفع ، بأن يثيب على الطاعة ، ويعاقب على المعصية ، وكان أهل الطائف يعبدون اللات ، وأهل مكة يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة . وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ أي : الأصنام التي نعبدها . شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ونظيره قوله تعالى إخبارا عنهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر ، 3 ] . وقيل : إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند اللّه . قال الرازي : ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند اللّه . اه . ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار ، وفي هذه الشفاعة قولان : أحدهما : أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح معايشهم . قاله الحسن ؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى . والثاني : أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث ، قاله ابن جريج عن ابن عباس ، وكأنهم كانوا شاكين فيه ، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة موجدهم الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضرّ ولا ينفع ، على توّهم أنه ربما يشفع لهم . قال النضر بن الحارث : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى . وقوله تعالى : قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين أَ تُنَبِّئُونَ أي : تخبرون اللَّهِ وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط . بِما لا يَعْلَمُ أي : لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات ، استفهام إنكار تهكم بهم ، وبما ادّعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطو تحت الصحة ، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه . وقوله تعالى : فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ تأكيد لنفيه ؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم ، وهذا على طريق الإلزام ، والمقصود نفي علم اللّه بذلك الشفيع ، وأنه لا وجود له البتة ؛ لأنه لو كان موجودا لكان معلوما لله تعالى وحيث لم يكن معلوما لله تعالى ، وجب أن لا يكون معلوما موجودا ، وهذا مثل مشهور في العرب ، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم اللّه ذلك مني ؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع . سُبْحانَهُ أي : تنزيها له عن كل شيء فيه شائبة نقص . وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ما مصدرية أو موصولة ، أي : عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ، لقوله : أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ والباقون بالياء على الغيبة ، فكأنه قيل للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قل أنت : سبحانه وتعالى عما يشركون ، ويجوز أن يكون اللّه سبحانه وتعالى هو الذي نزه نفسه عما قالوه ، فقال : سبحانه وتعالى عما يشركون . ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بيّن السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً